الغزالي

223

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وفي أخبار داود أيضا : أنّ اللّه تعالى أوحى إليه : تزعم أنّك تحبّني ، فإن كنت تحبّني فأخرج حبّ الدنيا من قلبك ، فإنّ حبّي وحبّها لا يجتمعان في قلب ، يا داود خالص حبيبي مخالصة ، وخالط أهل الدنيا مخالطة ، ودينك فقلّدنيه ، ولا تقلّد دينك الرجال . أمّا ما استبان لك ممّا وافق محبّتي ، فتمسّك به ، وأمّا ما أشكل عليك فقلّدنيه حقّا على أنّي أسارع إلى سياستك وتقويمك ، وأكون قائدك ودليلك ، أعطيك من غير أن تسألني ، وأعينك على الشدائد ، وإني قد حلفت على نفسي إنّي لا أثيب إلا عبدا قد عرفت من طلبته وإرادته إلقاء كنفه بين يديّ ، وأنه لا غنى به عنّي ، فإذا كنت كذلك نزعت الذّلّة والوحشة عنك ، وأسكن الغنى قلبك ، فإنّي قد حلفت على نفسي إنه لا يطمئنّ عبد لي إلى نفسه ، ينظر إلى فعالها ، إلا وكلته إليها ، أضف الأشياء إليّ ، لا تضادّ عملك فتكون متعنّيا ولا ينتفع بك من يصحبك ، ولا تجد لمعرفتي حدّا ، فليس لها غاية ، ومتى طلبت منّي الزيادة أعطك ، ولا تجد للزيادة منّي حدّا ، ثم أعلم بني إسرائيل أنّه ليس بيني وبين أحد من خلقي نسب ، فلتعظم رغبتهم وإرادتهم عندي ، أبح لهم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ضعني بين عينيك ، وانظر إليّ ببصر قلبك ، ولا تنظر بعينك التي في رأسك إلى الذين حجبت عقولهم عنّي فأمرجوها « 1 » ، فوسخت بانقطاع ثوابي عنها ، فإنّي حلفت بعزّتي وجلالي ، لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتي للتّجربة والتّسويف . تواضع لمن تعلّمه ، ولا تتطاول « 2 » على المريدين ، لو علم أهل محبّتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضا يمشون عليها . يا داود لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندي جهيدا ، ومن كتبته عندي جهيدا لا تكون عليه وحشة ، ولا فاقة إلى المخلوقين . يا داود تمسّك بكلامي ، وخذ من نفسك لنفسك ، لا تؤتينّ منها ، فأحجب عنك محبّتي ، لا تيئّس عبادي من رحمتي . واقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفه

--> ( 1 ) فأمرجوها : ارسلوها . يقال : أمرج فلان لسانه في أعراض الناس : أطلقه . ( 2 ) تتطاول : تتعالى وتتكبر .